في اليمن، حيث تتزاحم الأزمات وتتشابك خيوط الصراع، لا ينبغي لخطاب الشخصيات المؤثرة إعلامياً على منصات التواصل الاجتماعي أن ينحدر الى مجرد حضور عابر او سجالات شخصية تستنزف ما تبقى من صبر الناس. ومع ذلك، يطالعنا بين الحين والاخر مشهد يثير الدهشة، حين ينزلق هذا الخطاب الى مستوى من التراشق اللفظي الذي لا يليق بمكانتهم، ولا باحترام متابعيهم، ولا بحجم المسؤولية التي يحملونها.
وحين نتابع ما يدور بين بعض هذه الشخصيات، يفرض سؤال بديهي نفسه: هل انتهت أزمات اليمن حتى يصبح هناك متسع لمثل هذا الجدل؟ ام أن حجم المعاناة لم يعد كافياً لردع الخطاب عن الانزلاق نحو مساحات تسيء الى الذوق العام وتشوّه صورة النخب؟ ام أن ما نراه ليس سوى سعي وراء “الترند”؟ وهو احتمال يصعب قبوله حين يتعلق الامر باسماء يفترض أنها تدرك قيمة الكلمة وتأثيرها ومسؤوليتها.
الامر لا يتعلق بخلاف عابر، بل بنمط خطاب يعكس تراجعاً مقلقاً في مستوى النقاش العام. فهذه الشخصيات لا تمثل نفسها فقط، بل يقدمون نموذجاً يُحتذى به، سلباً او ايجاباً. وعندما تتحول المنصات الى ساحات لتبادل عبارات جارحة او ممارسات لا تليق، فإن الخسارة تمتد الى الجمهور الذي يبحث عن معنى، لا عن ضجيج.
الاكثر إيلاماً أن بعض هذا السجال تطرق الى شباب لم يختاروا الهجرة الا اضطراراً، هرباً من واقع اثقلتهم صراعاته. فالهجرة، في السياق اليمني، جرح مفتوح، وليست حكايات تروى في سياق المهاترات.
اليمن اليوم يحتاج الى خطاب مسؤول يستعشر المسئولية الوطنية ويعكس وعياً بحجم المأساة: وطن ينزف من الصراع والتصدعات، ومواطن يواجه أزمات اقتصادية خانقة وتحديات يومية. وهو لا ينتظر من النخب مزيداً من الضجيج، بل ما يعيد الثقة ويمنح الأمل.
فالكلمة في زمن الأزمات ليست مجرد رأي، بل موقف. ومن يمتلك منبراً وتأثيراً، عليه أن يدرك أن ما يقوله يساهم في تشكيل وعي عام قد يداوي او يجرح، وقد يبني ثقة الجمهور او يهدمها. ولهذا، فإن الارتقاء بالخطاب ضرورة تمليها مسؤولية الكلمة، واحترام معاناة وطن لم يعد يحتمل مزيداً من العبث.

