فيلم ‘‘المرهقون’’ : حنين تحت سياط الشمس (2/1)
فيلم ‘‘المرهقون’’ : حنين تحت سياط الشمس (2/1)

فيلم ‘‘المرهقون’’ : حنين تحت سياط الشمس (2/1)- نبض مصر

أعود للكتابة عن فيلم “المرهقون” الذي شاهدته قبل أيام في مدينة مرسيليا، ضمن ختام معرض (عدن – مرسيليا) وحلقة نقاش عن اليمن، شاركت فيها مع كوكبة من الباحثين الفرنسيين المتخصصين في الشأن اليمني سياسياً وتاريخياً وآثارياً.

أولاً، حظي الفيلم يومها بحضور فرنسي ممتاز مستفيداً من “السطرجة ” ( نقحرة من ترجمة سطرية، ويقصد بها ترجمة مكتوبة تظهر على شكل سطور) وأثار نقاشاً واسعاً نتجت عنه اسئلة بعد المشاهدة وبعض الاسئلة كانت تنم عن ذهنية فرنسية تقرأ الأمور بعين فرنسية (مثلاً : ماذا يعني ظهور رجلين متشابكين الأيدي؟ههه. لماذا تغطي الطبيبة وجهها عندما دخل الرجل مع زوجته؟ )
معليش، فوارق ثقافية.

يبدأ الفيلم بمشهد اعتيادي في السوق، تتقابل فيه عائلتان (عائلة من زوج بملابس توحي بأنه موظف عمومي وزوجة سافرة الوجهة مقابل عائلة بملابس تفصح عن انتماء مذهبي أو ديني (بهرة)، لكن اختلاف ملابسهما يؤكد صراع مدينة عدن من أجل الاحتفاظ بطابعها “الكوزموبوليتي” (التعددي). لا يتكرر المشهد لاحقاً، بينما تهيمن دالة أخرى هي صلابة التصور الديني في مواجهة حقيقة اقتصادية قاسية تواجهها الأسرة، وهي قضية الإجهاض.

شخصياً، هذا هو الفيلم الثاني الذي أشاهده للمخرج عمرو جمال. وعلى غرار عمله الأول، تبدو لمسته الإبداعية الخاصة واضحة؛ بيد أن هذا الفيلم أعمق تعبيراً وأكثر احترافية، وهذا ما يفسر نيله جوائز عديدة وحصوله على فرص عرض دولية واسعة.

ملاحظة: اختار الموزعون الفرنسيون عنواناً مختلفاً أكثر بهجة ( lueurs d’Aden) وتعني بروق أو ومضات عدن، ليكون جذاباً، رغم الرهان السوسيولوجي الثقيل للفيلم.

من الحنين إلى الواقعية
يمكن قراءة الفيلم من زوايا متعددة (الإخراج، أداء الممثلين، الموضوع الحساس، أو مدنية عدن بحد ذاتها)، لكني سأبدأ أولاً بكمية الحنين الذي يفجره الفيلم لدى اليمني الذي يشاهده وقد مرت سنوات على آخر عهده بالبلاد.

على الرغم من أن الفلم يخفي تماماً عادة تناول القات فإن تفاصيل حياة اليمني، والعدني تحديداً، حاضرة بكل منعطف ولمسة (الصراخ، الالتفاتة، الضجر، والاحتمال، الاعتذار غير المنطوق، كلمة “أحبك” التي لن تقال…الخ.)

وتخيل أن سائق الباص يوقف باصه بركابه ويتركهم ويروح يقضي غرض عند الصراف ويرجع.

تتطابق الرسالة البصرية في الفيلم —الذي يطغى عليه الظلام بسبب انقطاع الكهرباء أو خفوت الإضاءة الداخلية— مع الثيمة الرئيسية للفيلم وتبدلات حياة الناس، لاسيما الموظفين المدنيين في سنوات الحرب. هناك تتابع بصري (ضوء/عتمة) بين المشهد والآخر، ينقل عنفاً موضوعياً تصاعدياً يرفع الحبكة إلى ذروتها عندما تُسدّ كل الطرقات ويتقلص الأمل.

حركة الكاميرا كانت انسيابية تلائم واقعية الفيلم وفيها انشائية محببة تتيح للمشاهد القبض على التفاصيل ( لون جدران المباني الباهت، تشققات الطلاء من الداخل، تراب حافة الرصيف، دمار ما بعد الحرب، …)

يقدم الفيلم فضاءات متعددة وغنىً في المشاهد والأمكنة؛ ما بين (البيت، مكتب الصرافة، المستوصف، العيادة، الشارع، محل خياطة الملابس، بيت الأم، بيت الحماة، الشرفة، المقبرة، وبيت للإيجار موحش، وصولاً إلى السوق). ويحتل الشارع مساحة واسعة في هذا العمل، مما يجعله فيلماً يدور خارج الجدران، حيث تتوزع فيه عذابات الفرد عبر مشاوير يومية لا تنتهي.

يتحاشى الفيلم الرسائل السياسية المباشرة أو اتخاذ مواقف أيديولوجية، لكنه يقدم السياسة بشكل آخر؛ إذ يعكس واقعاً مريرياً يعيشه أبناء وبنات عدن في ظل الحرب وتقلبات السلطة وسوء الإدارة. تطحن هذه الأزمات الناس طحناً، حتى يشعر الفرد وكأنه قُذف به في هاوية المصارعة مع متطلبات الحياة اليومية، تحت هيمنة رمزية للعسكر والسلاح والمال المنفلت.