الحرس الثوري يمثل اليوم حجر الزاوية في مشهد السياسة الإيرانية المتعثرة وسط أمواج من الضغوط الدولية الخانقة التي تحيط بالنظام من كل جانب وتدفع به نحو حافة الهاوية السياسية والاقتصادية، حيث محاولات التعطيل المستمرة التي يمارسها هذا الفصيل العسكري العقائدي لا تنبع من فراغ بل هي نتاج رؤية استراتيجية تعتبر أن أي تقارب مع الغرب يمثل تهديداً وجودياً لبنية النظام ولذلك تبرز العبارة المفتاحية هنا وهي دور الحرس الثوري في رسم المصير.
وحسب تقرير لـ “سكاي نيوز عربية” فإن الغموض الذي يلف موقف طهران تجاه المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة أثار تساؤلات عميقة حول طبيعة الصراع الداخلي المحتدم بين أجنحة السلطة في إيران، وتؤكد المصادر أن هناك انقساماً حاداً داخل دوائر صنع القرار حيث يبرز الحرس الثوري كقوة معرقلة ترفض تقديم أي تنازلات جوهرية قد تؤدي إلى اتفاق ينهي الحصار المفروض على البلاد حالياً، وهو ما يعكس رغبة في السيطرة.
أزمة البقاء وتحديات النفوذ العسكري
لقد برز دور الحرس الثوري جلياً في الأيام الأخيرة من خلال سلسلة من التحركات الميدانية والسياسية التي تهدف إلى إغلاق كافة الأبواب أمام الدبلوماسية المرنة التي يحاول بعض الساسة انتهاجها، إن لجوء هذه المؤسسة إلى التهديد مجدداً بإغلاق مضيق هرمز ورفض المشاركة في جولات جديدة من المحادثات يعكس رغبة جامحة في فرض السيطرة الكاملة على القرار الرسمي الإيراني المتذبذب، مما يضع مستقبل البلاد على فوهة بركان سياسي.
ويرى مراقبون عسكريون أن المناورات التي يجريها الحرس الثوري في الداخل والخارج تهدف بالأساس إلى تعزيز موقفه السياسي وضمان بقائه كلاعب وحيد لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية، هذا الانقسام الداخلي لم يعد سراً حيث عبر عنه الساسة الدوليون مشيرين إلى أن الحكومة الإيرانية تعاني من تمزق حاد يحول دون تقديم مقترح موحد لإنهاء الأزمة القائمة، وهو ما يعزز حالة الجمود التي تسيطر على الملف النووي.
أجنحة السلطة وصراع الإرادات داخل طهران
وتشير التقارير المسربة من كواليس السلطة في طهران إلى أن قيادات عليا في الحرس الثوري تقود جبهة التشدد الأيديولوجي التي ترفض أي نوع من المساومة على القدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي، في المقابل يحاول تيار يوصف بأنه أقل أيديولوجية ويضم وجوهاً ديبلوماسية جديدة إيجاد ثغرة في جدار العقوبات عبر التوصل إلى اتفاق تقني مع واشنطن يرفع المعاناة، لكن هذه المحاولات تصطدم دائماً بحائط الصد الذي تبنيه القيادات العسكرية.
إن الضغوط التي يمارسها الحرس الثوري على فريق التفاوض وصلت إلى مستويات غير مسبوقة حيث يتم اتهام المنادين بالتهدئة بالخيانة أو الضعف أمام القوى الخارجية مما يجعل مهمة الدبلوماسيين شبه مستحيلة، وتعكس هذه الحالة أزمة بقاء سياسي حقيقية إذ يخشى قادة الحرس أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي إلى تقليص إمبراطوريتهم المالية الواسعة التي ازدهرت في ظل اقتصاد الظل والعقوبات الدولية المفروضة، وهو ما يفسر استماتتهم في التعطيل.
شروط تعجيزية على طاولة المفاوضات المتعثرة
ويؤكد الخبراء أن الجناح المتشدد يدفع باتجاه مواقف تفاوضية متصلبة للغاية تضع شروطاً تعجيزية أمام الجانب الأمريكي مثل الرفع الكامل والفوري للحصار قبل الجلوس على طاولة الحوار، هذا التعنت يعكس حساسية مفرطة داخل دوائر الحكم بشأن كيفية التعامل مع الضغوط القصوى التي تهدف إلى تفكيك البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية بشكل كامل، وهو أمر يرفضه الحرس الثوري جملة وتفصيلاً حفاظاً على مكتسبات العقود الماضية.
الموقف الميداني زاد من تعقيد المشهد حيث ساهم التلويح بإغلاق الممرات المائية في زيادة حالة عدم اليقين العالمي بشأن استقرار إمدادات الطاقة، وهو سلاح يستخدمه الحرس الثوري للضغط على المجتمع الدولي، ورغم إبداء بعض الجهات الحكومية استعداداً أولياً للحوار إلا أن تدخلات الجناح العسكري ربطت هذه المشاركة بشروط سيادية تعتبرها القوى الكبرى غير قابلة للتنفيذ في الوقت الراهن، مما يعمق الفجوة بين الأطراف المتنازعة دولياً.
إمبراطورية الظل وحماية المكتسبات المالية
وتكشف التحليلات أن الحرس الثوري نجح في تحويل المفاوضات من عملية ديبلوماسية تهدف لتحقيق مصالح وطنية إلى ساحة للصراع على السلطة وتثبيت أركان دولة داخل الدولة، إن هذا السلوك يعيق أي فرصة لاستعادة الاستقرار في المنطقة ويضع الدولة الإيرانية في مواجهة مباشرة مع القوى العالمية التي لم تعد تقبل بمبدأ المماطلة المستمر الذي تنتهجه طهران، مما ينذر بتصعيد قد لا تحمد عقباه على الصعيدين المحلي والإقليمي.
وفي ظل هذه المعمعة السياسية تبرز تقارير تتحدث عن محاولات التعبئة التي يقوم بها الحرس الثوري في الداخل مما دفعه إلى التصعيد الخارجي للهروب من الأزمات الاجتماعية المتفاقمة، إن الرفض الشعبي المتزايد للسياسات المتشددة يقابله إصرار من النخبة العسكرية على المضي قدماً في نهج التصادم لضمان عدم حدوث انهيار داخلي قد تسببه مفاعيل أي اتفاق مستقبلي، حيث يرون في التهدئة خطراً يهدد شرعيتهم الثورية القائمة على المواجهة.
الشرخ المؤسسي وتآكل الصلاحيات المدنية
إن العلاقة المتوترة بين الجيش النظامي وبين الحرس الثوري تضفي مزيداً من التعقيد حيث يرى الأخير في نفسه الحامي الوحيد للمبادئ بينما يميل الجيش إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة، هذا الشرخ المؤسسي يستغله قادة الحرس لتعزيز سيطرتهم على الموارد الحيوية ومنع أي محاولة من الحكومة المدنية لتقليص ميزانيات التسليح والبرامج الصاروخية المثيرة للجدل، مما يجعل الحكومة واجهة بلا سلطة حقيقية في الملفات الاستراتيجية الكبرى والحساسة.
وتشير المصادر إلى أن دوائر الاستخبارات تراقب بدقة التحولات الجارية داخل بنية القيادة في إيران حيث يتم تعزيز الوجوه الأكثر راديكالية وولاءً لمبدأ الصمود، هذا الجيل الجديد في الحرس الثوري لا يؤمن بجدوى التفاوض ويرى في امتلاك القدرات الرادعة الضمانة الوحيدة لعدم سقوط النظام، مما يفسر سبب العرقلة المستمرة لأي مسار دبلوماسي قد يؤدي إلى تفتيش المنشآت الحساسة أو الحد من الطموحات العسكرية التي يتبناها الحرس.
مستقبل غامض بين الدبلوماسية وقرار العسكر
لقد بات واضحاً أن أي تقدم في المحادثات لن يكتب له النجاح دون موافقة صريحة من قيادة الحرس الثوري التي تمسك بخيوط اللعبة الأمنية والاقتصادية في البلاد بشكل محكم، إن الرهان على التيارات المعتدلة يبدو رهاناً صعباً في ظل تآكل صلاحيات الرئاسة الإيرانية وتحولها إلى أداة لتنفيذ سياسات يتم صياغتها خلف الأبواب المغلقة، مما يجعل واشنطن وحلفاءها في حالة ارتياب دائم من جدية أي عرض إيراني للتفاوض.
ويستمر الحرس الثوري في استخدام ملفات تقنية كأدوات ابتزاز سياسي مما يعطل الخطط الرامية للتوصل إلى تسوية سلمية تضمن الاستقرار، إن الغموض المتعمد حول البرامج النووية يخدم استراتيجية الحرس في كسب الوقت وتطوير قدرات تجعل من أي ضغط خارجي بلا قيمة، وهو نهج يؤدي في نهاية المطاف إلى عزل إيران أكثر عن المنظومة الدولية ويدفع بالشعب الإيراني نحو مزيد من الفقر والعوز بسبب تعطل عجلة الاقتصاد.
وفي ختام المشهد تظهر إيران كدولة محاصرة بين طموحات الحرس الثوري التوسعية وبين واقع اقتصادي منهار يطالب بالانفتاح والعيش الكريم بعيداً عن الشعارات، إن المعركة الحقيقية تجري اليوم في أروقة طهران حيث يتحدد مصير شعب بأكمله بناءً على حسابات بقاء مؤسسة عسكرية وضعت نفسها فوق الدولة، مما يجعل الحل الدبلوماسي بعيد المنال في ظل الهيمنة المطلقة للعسكر على مفاصل القرار السياسي والسيادي في البلاد.
.

