في تطور دراماتيكي يهدد بإحداث شرخ عميق في هندسة الطاقة العالمية، قالت وكالة أنباء “رويترز” إن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) يمثل “ضربة قوية وحاسمة لتحالف منتجي النفط”، موضحة أن هذه الخطوة التاريخية تأتي في لحظة فارقة يمر فيها العالم بأزمة طاقة غير مسبوقة، فاقت من حدة التوترات الجيوسياسية وكشفت علناً عن خلافات عميقة بين الدول الخليجية الشقيقة.
وبحسب تحليل “رويترز”، فإن خروج أبوظبي – العضو المؤسس والفاعل في المنظمة – من الصف، قد يلقى بالسوق النفطية في حالة من الفوضى ويؤدي إلى إضعاف “أوبك” التي حرصت لعقود على الحفاظ على قناع الوحدة والجبهة الموحدة رغم وجود تباينات خفية تتراوح بين الخلافات السياسية وحصص الإنتاج.
وفي سياق متصل، نقلت الوكالة عن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل محمد المزروعي، تأكيده أن هذا القرار لم يكن ارتجالياً، بل جاء ثمرة “دراسة متأنية” لاستراتيجيات الدولة بعيدة المدى في قطاع الطاقة.
وحول مدى التنسيق مع المملكة العربية السعودية، القائدة الفعلية للمنظمة والحليف الاستراتيجي التقليدي، كشف المزروعي أن أبوظبي لم تثر هذا الملف مع أي طرف آخر، معتبراً الأمر “قراراً سياسياً بحتاً” اتُخذ بعد تقييم دقيق للسياسات الحالية والمستقبلية الخاصة بمستويات الإنتاج.
وفي ما يتعلق بتداعيات هذه الخطوة على السوق، أشار المزروعي إلى أن الإمارات ستخرج بالتبعية من تحالف “أوبك+”، لكنه خفف من مخاوف المستثمرين بقوله إن التأثير لن يكون جوهرياً نظراً للظروف الراهنة في مضيق هرمز.
واستدرك الوزير بالقول إنه رغم العضوية الطويلة للإمارات في المنظمة، فإن العالم يتجه نحو طلب متزايد على الطاقة، ملمحاً إلى أن التحرر من قيود الحصص سيمكن الدولة من المساهمة بشكل أكبر في تلبية تلك الاحتياجات المتنامية.
وفي قلب المشهد، تعاني دول “أوبك” في منطقة الخليج من صعوبات لوجستية وأمنية بالغة في شحن صادراتها عبر مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يفصل إيران عن سلطنة عمان، ويعبر عادةً نحو خُمس استهلاك العالم من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، حيث تتصاعد التهديدات وتتوالى الهجمات الإيرانية على السفن التجارية، مما يضيف عبئاً إضافياً على أمن الطاقة.
من منظور دولي، رأت “رويترز” أن انسحاب الإمارات يشكل انتصاراً دبلوماسياً للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي كان قد هاجم المنظمة بشدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018، متهماً إياها “باستغلال العالم” عبر رفع الأسعار.
ويأتي هذا الإعلان الاماراتي على خلفية انتقادات لاذعة وجهتها أبوظبي، باعتبارها مركزاً مالياً وتجارياً إقليمياً وحليفاً أساسياً لواشنطن، إلى دول عربية أخرى، معتبرة أنها لم تبذل الجهود الكافية لحماية الامارات من الهجمات الإيرانية المتكررة خلال فترات التوتر.
وفي الوقت الذي تحوم فيه الطاقة الإنتاجية الفائضة العالمية عند أدنى مستوياتها التاريخية، مما يضاعف مخاطر شح الإمدادات، يمنح العمل خارج قيود مجموعة “أوبك+” الإمارات مرونة كاملة للاستفادة من مكانتها كمورد لببراميل النفط الأقل تكلفة والأقل انبعاثاً للكربون في العالم.
وفي الختام، ترى أبوظبي أن خروجها من التكتل ليس إلا خطوة إيجابية للمستهلكين والاقتصاد العالمي، كونه سيعزز الموثوقية ويسرع من تدفق الإمدادات في مواجهة الأزمات.
واختتمت “رويترز” تقريرها بالقول إن انسحاب الإمارات سيفتح الباب أمام الدولة لزيادة صادراتها النفطية دون قيود، وهو ما قد ينعكس على انخفاض الأسعار عالمياً ويزيد من أرباحها الخاصة.
لكن بعيداً عن الأرقام والاقتصاد، تحمل هذه الخطوة رسالة سياسية واضحة تعبر عن خيبة أمل الإمارات من آليات التعاون الإقليمي خلال التصعيد مع إيران، وتحديداً فيما يتعلق بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، الرقم الصعب في المنظمة منذ تأسيسها.

