لغز غياب مجتبى.. الحرس الثوري يدير إيران من خلف ستار الوريث
مجتبى خامنئي

لغز غياب مجتبى.. الحرس الثوري يدير إيران من خلف ستار الوريث- نبض مصر

تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم منعطفاً تاريخياً لم تعرفه منذ ثورة عام 1979، حيث تسببت نيران الحرب المستعرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في خلخلة تراتبية الحكم التقليدية. 

بعد عقود من استقرار السلطة في يد زعيم أعلى يمتلك الكلمة الفصل، يبرز اليوم مجتبى خامنئي نجل المرشد الراحل كعنوان للنظام، لكن دون السلطة المطلقة التي ميزت عهد والده. هذا التحول المفاجئ أوجد واقعاً سياسياً جديداً يتسم بهيمنة القيادات العسكرية الأمنية على حساب النخبة الدينية التقليدية.

حسب تقرير لـ “رويترز” ومصادر أمنية مطلعة، فإن مقتل علي خامنئي في الضربة الأولى للحرب أحدث فراغاً لم يستطع ابنه الجريح سده بالكامل حتى الآن. ورغم أن المؤسسات الرسمية حاولت إظهار تماسكها خلف مجتبى، إلا أن كواليس الحكم تشير إلى أن القرار الفعلي بات يطبخ في أروقة المجلس الأعلى للأمن القومي. إن حالة “تعدد الرؤوس” داخل القيادة الإيرانية جعلت من الصعب التنبؤ بمسارات الحرب أو آفاق السلام في ظل غياب المرجعية الحاسمة.

تؤكد شهادات حية من داخل دوائر الحكم في طهران أن الدور المنوط بالزعيم الجديد هو دور رمزي يهدف إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية فقط. ويجد مجتبى نفسه اليوم مضطراً للمصادقة على استراتيجيات يضعها جنرالات الحرس الثوري، الذين استغلوا ظروف الحرب لإحكام قبضتهم على مفاصل الدولة بالكامل. هذا التغير في موازين القوى أدى إلى تصلب الموقف الإيراني في المحادثات الدولية، حيث يرفض العسكريون تقديم أي تنازلات جوهرية قد تفسر كضعف ميداني.

تآكل المركزية وتجميد المسارات الدبلوماسية

لقد أدت ضغوط القصف الجوي والحصار البحري إلى انكماش دائرة صنع القرار وحصرها في مجموعة من غلاة المحافظين الذين لا يؤمنون بجدوى التفاوض مع الغرب، فيما يشير المراقبون إلى أن مجتبى، الذي يعاني من تبعات إصابته الجسدية، بات يمثل واجهة شرعية لقرارات تتخذها قيادة موحدة في زمن الحرب. هذه القيادة ترى في التصعيد العسكري والتهديد بإغلاق مضيق هرمز الورقة الرابحة الوحيدة المتبقية في يد النظام الإيراني المنهك عسكرياً.

تشير تقارير دبلوماسية من العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تلعب دور الوسيط، إلى أن المفاوضين الإيرانيين باتوا يفتقرون إلى التفويض اللازم لاتخاذ قرارات سريعة. فعندما تُطرح مبادرات لوقف إطلاق النار، يمر الطلب بسلسلة معقدة من المشاورات تبدأ من الخارجية وتمر بالحرس الثوري قبل أن تصل إلى مكتب مجتبى للمصادقة. 

هذا البطء في الرد يعكس حالة التخبط القيادي وعدم وجود شخصية قادرة على فرض إرادتها على الأجنحة المتصارعة داخل النظام.

لا يكمن الخلاف الحقيقي في طهران حول الرغبة في السلام من عدمها، بل في الثمن الذي يطلبه الحرس الثوري مقابل أي تراجع عسكري. فبينما يحاول الدبلوماسيون البحث عن مخارج لتخفيف الضغط الاقتصادي، يصر القادة الأمنيون المحيطون بـ مجتبى على ضرورة انتزاع اعتراف أمريكي بمكاسب إيران الإقليمية أولاً. هذه الفجوة بين الطموح العسكري والواقع السياسي جعلت من طهران طرفاً صعب المراس ومتردداً في حسم خياراته المصيرية تجاه واشنطن.

الجنرالات والقبضة الحديدية خلف الستار

برز اسم أحمد وحيدي، القائد البارز في الحرس الثوري، كمهندس حقيقي للسياسات الإيرانية في هذه المرحلة الحرجة، متجاوزاً بذلك الشخصيات السياسية التقليدية. ورغم أن مجتبى لا يزال هو الاسم الذي يُرفع في الخطابات الرسمية، إلا أن وحيدي وفريقه هم من يديرون غرف العمليات والتواصل مع الحلفاء الإقليميين. لقد تحولت إيران فعلياً من “دولة يحكمها الفقيه” إلى “دولة يحكمها الجنرال”، مع الحفاظ على القشرة الدينية لضمان الولاء الشعبي.

يعيش الزعيم الجديد مجتبى حالة من العزلة القسرية نتيجة الإصابات البالغة التي تعرض لها في الموجة الأولى من الغارات الجوية التي استهدفت المربع الأمني.

 وتقول مصادر مقربة من محيطه إنه يتواصل مع مساعديه عبر دوائر صوتية مغلقة، مما يضعف قدرته على الإشراف المباشر على تفاصيل الملفات المعقدة. هذا الغياب عن المشهد العلني عزز من نفوذ قادة الصف الأول في الحرس الثوري الذين باتوا يتحدثون باسم الدولة وباسم المرشد الجديد.

في هذه الأثناء، يحاول وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف لعب دور “الشرطي الجيد” في المحادثات مع القوى الدولية. لكن تحركات هؤلاء تظل مقيدة بحدود ضيقة يرسمها الجناح العسكري الذي يرى في تحركاتهم مجرد مناورات لربح الوقت. 

إن التوافق الظاهري بين مجتبى وقادة الحرس يخفي وراءه صراعاً صامتاً على تحديد هوية إيران القادمة، وهل ستظل دولة ثورية أم تتحول إلى ديكتاتورية عسكرية صريحة.

ارتباك المفاوضات وأوراق الضغط النووي

قدمت إيران مؤخراً مقترحاً جديداً لواشنطن يتضمن جدولة زمنية للمحادثات، لكنه اصطدم بإصرار الولايات المتحدة على البدء بالملف النووي فوراً. ويرى الحرس الثوري، الذي يستند إلى شرعية مجتبى، أن التنازل عن الملف النووي في وقت الحرب هو انتحار سياسي وعسكري. لذلك، تحاول طهران مقايضة الأمن الملاحي في الخليج بوقف العقود الاقتصادية، وهي معادلة ترفضها الإدارة الأمريكية التي تراهن على سياسة “الضغط الأقصى”.

يرى محللون دوليون، مثل الدبلوماسي آلان إير، أن كلا من طهران وواشنطن يراهنان على عامل الوقت لإضعاف الطرف الآخر وتحسين شروط التفاوض. 

وفي هذا السياق، يبدو أن مجتبى غير قادر على اتخاذ قرار شجاع بالانفتاح، خشية أن يُفهم ذلك على أنه خيانة لإرث والده أو ضعف أمام العسكر. إن حالة “الجمود الاستراتيجي” هي السمة الغالبة الآن، حيث يخشى الجميع من أن تكون المرونة سبباً في انهيار النظام من الداخل.

إن التحول من سلطة رجال الدين إلى سلطة الأجهزة الأمنية لم يكن مجرد تغيير في الوجوه، بل هو تغيير في الأيديولوجيا المحركة للدولة. فالحرس الثوري الذي يدعم مجتبى حالياً، يتبنى رؤية عدوانية تعطي الأولوية للأمن القومي على حساب التنمية أو الاستقرار الدبلوماسي. هذا النهج يقلص فرص التوصل إلى تسوية دائمة، ويجعل من منطقة الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لصراع طويل الأمد لا تلوح في أفقه أي بوادر للتهدئة.

بنية النظام وصمود الجبهة الداخلية

رغم القصف والدمار، لم تظهر حتى الآن بوادر انقسام علني داخل النخبة الحاكمة في طهران، وهو ما يثير دهشة الكثير من المراقبين الغربيين. ويعود هذا التماسك إلى نجاح الحرس الثوري في تصفية الأصوات البراغماتية وتوحيد الصف خلف قيادة مجتبى العليلة.

 إن الإجماع الحالي داخل إيران ليس نابعاً من القناعة بالسياسات المتبعة، بل من الخوف المشترك من المصير المجهول في حال سقوط النظام أو حدوث انقلاب داخلي.

يشير الخبراء إلى أن إيران اليوم تعيش مرحلة “الترقب الاستراتيجي”، حيث يتم توزيع الأدوار بدقة بين المؤسسات المختلفة لضمان استمرار المقاومة. وفي الوقت الذي يقبع فيه مجتبى خلف جدران الحماية الأمنية، يقوم القادة العسكريون بتجربة أسلحة جديدة وتصعيد التوتر في الممرات المائية الحيوية. هذا التوزيع للأدوار يهدف إلى إيهام العالم بأن النظام لا يزال يمتلك زمام المبادرة، رغم الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي تعرض لها.

إن المستقبل السياسي في طهران بات مرهوناً بنتائج المواجهة الميدانية المباشرة مع القوات الأمريكية والإسرائيلية في الأسابيع القادمة. فإذا نجح الحرس الثوري في صد الهجمات أو الحفاظ على توازن القوى، فإن سلطة مجتبى الرمزية ستستمر كغطاء لحكم العسكر. 

أما في حال حدوث انكسار عسكري كبير، فإن بنية السلطة الحالية قد تشهد انهياراً دراماتيكياً يعيد تشكيل خارطة التحالفات في طهران بطريقة لا يمكن التنبؤ بها حالياً.

خاتمة الصراع ومصير الخلافة

يمثل صعود مجتبى إلى قمة السلطة في هذا التوقيت العصيب اختباراً قاسياً لقدرة النظام على البقاء دون كاريزما المؤسس أو قوة المرشد السابق. إن التحالف المصلحي بين ابن المرشد وجنرالات الحرب هو ما يبقي الجمهورية الإسلامية واقفة على قدميها حتى اللحظة.

 ومع ذلك، فإن هذا التحالف يظل هشاً وقابلاً للانفجار في حال تضاربت الرؤى حول كيفية إنهاء الحرب أو التعامل مع الضغوط الدولية المتزايدة.

يبقى التحدي الأكبر أمام القيادة الإيرانية هو كيفية الموازنة بين الحفاظ على الثوابت الثورية والحاجة الملحة لتجنب الانهيار الاقتصادي الشامل. إن مجتبى، الذي يجد نفسه في عين العاصفة، يحتاج إلى أكثر من مجرد الشرعية الوراثية لإقناع الشعب الإيراني المنهك بجدوى الاستمرار في هذه المواجهة المكلفة. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام، تظل طهران ساحة لصراع إرادات خفي، حيث تتشابك مصالح الأمن مع طموحات السلطة في مشهد مأساوي.

في نهاية المطاف، فإن إيران التي نعرفها قد تغيرت إلى الأبد نتيجة هذه الحرب التي حطمت أصناماً سياسية قديمة وأبرزت أخرى جديدة. وسواء استمر مجتبى في منصبه أو تحول إلى مجرد ذكرى في تاريخ الثورة، فإن الحقيقة الثابتة هي أن العسكر هم من يمسكون الآن بمفاتيح المستقبل. إن التحول من “ثيوقراطية دينية” إلى “أوتوقراطية عسكرية” هو النتيجة الأبرز لشهرين من النار والدمار في قلب بلاد فارس.