أولاً: العولمة بوصفها بيئة فرص
لم تكن العولمة مشروعاً أيديولوجياً موحَّداً إنما بيئةَ فرص استثمرها فاعلون متباينو المنطق لأهداف متناقضة؛ بعضهم متوافق مع منطق السوق وبعضهم الآخر معادٍ له يستخدم بنيتها التحتية ضد قيمها الليبرالية ذاتها .
ثانياً: الآليات الأربع لإعادة إنتاج الفاعلين غير الدولاتيين
أعادت العولمة إنتاج هؤلاء الفاعلين عبر أربع آليات متضافرة:
◾️الآلية الأولى_ تآكل السيادة الاقتصادية: فتحُ الدول لأسواقها عبر اتفاقيات الجات ثم منظمة التجارة العالمية (1995م) أفقدها السيطرة على تدفقات رؤوس الأموال والسلع والخدمات ، فاتسع الفراغ السيادي أمام الشركات المتعددة الجنسيات بوصفها فاعلين شبه سياديين ، تتفاوض مع الدول من موقع قوة وفق منطقها الربحي لا منطق المصلحة الوطنية .
◾️الآلية الثانية_ الثورة التكنولوجية-الاتصالية: أتاحت شبكات الإنترنت منذ 1991م ، تلته الهواتف المحمولة ووسائل التواصل ، فضاءاتٍ عابرةً للحدود استثمرها فاعلون متباينو المنطق: أيديولوجيون عنفيون كالقاعدة وداعش ، وكاشفون عن المعلومات كويكيليكس ، وشبكات لامركزية كأنونيموس ، الجامع بينهم ليس وحدة الهدف بل وحدة الأداة التي حررتهم من قيود الدولة الإقليمية .
◾️الآلية الثالثة_ التوظيف السياسي للمنظمات غير الحكومية: اتسعت شبكة هائلة من المنظمات تحت لافتات حقوق الإنسان والبيئة والحوكمة والتنمية . غير أنها لم تكن محايدة أخلاقياً كما تدّعي بل شكّلت في كثير من الأحيان أدوات قوة ناعمة تُطبَّق انتقائياً وفق مصالح ممولها ، فتُسلَّط على الخصوم وتُسكَت في الحلفاء ، كاشفةً أن “الأخلاق العالمية” ذاتها حقل صراع جيوبوليتيكي .
◾️الآلية الرابعة _ المالية المعولمة: صعدت الأسواق المالية ووكالات التصنيف الكبرى (S&P، Moody’s، Fitch) والصناديق السيادية وصناديق التحوط كفاعلين جيوبوليتيكيين فعليين ، أثبتوا قدرتهم على إسقاط عملات دول كاملة — كأزمة الجنيه الإسترليني (1992م) وأزمة جنوب شرق آسيا (1997م) _ وعلى فرض شروط تتجاوز ما تستطيعه الدبلوماسية التقليدية .
ثالثاً: التأصيل التاريخي_ الدولة الإقليمية بوصفها استثناءً قصيراً
صعود الفاعلين غير الدولاتيين بعد 1991م ليس ميلاداً جديداً بل عودة لقاعدة تاريخية مديدة كانت الدولة الوستفالية استثناءً قصيراً عليها . فعمر الدولة الإقليمية بصيغتها الحديثة لا يتجاوز ثلاثة قرون ونصف منذ صلح وستفاليا (1648م)، بينما رافق الفاعلون العابرون للحدود التاريخَ البشري آلاف السنين عبر أديانهم وتجاراتهم وأيديولوجياتهم . ما فعلته العولمة ليس إنتاجَ هؤلاء من العدم إنما إعادةَ تأهيلهم بأدوات جديدة بعد أن همّشتهم الوستفالية مؤقتاً .
ويمكن تصنيفهم تاريخياً في خمسة أنواع ، يستعيد كلٌّ منها حضوره في النظام المعولم بصور متجددة:
1️⃣ الفاعل الديني-المؤسسي: الكنيسة الكاثوليكية والبابوية ، والحوزات الكبرى كالنجف وقم ، والأزهر تاريخياً .
2️⃣ الفاعل التجاري-السيادي: شركات الامتياز الكولونيالية ، وأبرزها شركة الهند الشرقية البريطانية (1600م) ونظيرتها الهولندية ، اللتان مارستا سيادة فعلية على أقاليم شاسعة .
3️⃣ الفاعل الأيديولوجي-الأممي: الحركة الشيوعية الأممية بأطوارها ، والحركة الصهيونية قبل تأسيس دولتها (1948م)، الحركات الإسلامية ذات المشروع السياسي العابر للحدود
4️⃣ الفاعل العنفي-الجهادي: القاعدة (1988م)، ثم داعش، وحركات ثورية مسلحة عابرة للحدود عبر التاريخ .
✨لا ينبغي فهم صعود الفاعلين غير الدولاتيين بوصفه تراجعًا خطيًا للدولة بل إعادة توزيع لوظائفها عبر وسائط متعددة؛ فالدولة المعاصرة لا تنسحب من المجال بل تُعيد تموضعها داخله ، أحيانًا عبر فاعلين يعملون خارج إطارها القانوني لكن داخل منطقها الاستراتيجي .
رابعاً: الأفق التحليلي للمنطقة العربية
يفتح هذا التشخيص أفقاً يكسر القراءات الإقليمية التقليدية . فالأذرع الإيرانية — حزب الله في لبنان ، والحوثيون في اليمن ، والميليشيات في العراق ليست ظواهر وليدة لحظتها بل تجسيد إيراني للنوع الأيديولوجي-الأممي المُعاد تأهيله بأدوات العولمة من اتصالات ومالية وإعلام عابر للحدود. كذلك المؤسسات الولائية الإيرانية ، كالحرس الثوري ومؤسسة المستضعفين ، تمثّل نوعاً هجيناً يجمع بين الفاعل التجاري-السيادي والأيديولوجي-الأممي ، يستفيد من بنية العولمة ضد منطقها الليبرالي ذاته وفهم هذه الظواهر بأدوات الدولة الإقليمية الكلاسيكية يُبقي التحليل العربي مأسوراً في الفخ الإقليمي الذي يكسره خصومه يومياً ، فيما يمنحه التحرر منه قدرةً على رؤية البنية العميقة للصراع الجاري .
🟥وبالتالي فإن العولمة في صيغتها التسعينية صُمِّمت على افتراض حُسن نية الفاعلين وانخراطهم الطوعي في منطق السوق المفتوح . لكن التجربة التاريخية الممتدة من 1991م إلى اليوم أثبتت أن هذا الافتراض ساذج بنيوياً: فالعولمة بنية تحتية محايدة لا تُميّز بين من يستثمرها لتنمية شعبه ومن يستثمرها لتمويل ميليشياته .
ومن ثَمّ، فإن السؤال المركزي لم يعد: هل نُبقي العولمة أم نُلغيها؟ بل أصبح: كيف نُعيد هندستها بضوابط تمنع تحولها إلى بنية تحتية للفوضى دون الدولة؟
◾️خاتمة: الحرب المرئية وجذرها الخفي_دعوة لمعالجة الأزمة من أسّها
طوال هذه السلسلة من الأوراق التحليلية التي قمت بها منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين امريكا وإيران ، سعيت إلى تفكيك ظاهرة تتجاوز حدود اللحظة الراهنة ، ظاهرة لا يُمكن استيعابها بأدوات التحليل في حالتها المبسطة ، ولا الاكتفاء بقراءتها بوصفها صراعاً عابراً بين دولتين ، لذا ينبغي أن نُجمل خلاصتنا في أطروحة واحدة محورية: ما يجري بين أمريكا وإيران اليوم ليس الحرب الحقيقية بل عَرَضٌ منها .
تخوض الولايات المتحدة اليوم مواجهة ظاهرة مع إيران: عقوبات اقتصادية ، استهدافات عسكرية ، حصار دبلوماسي ، حرب سيبرانية ، وكلها أدوات مشروعة ، لكنها تعالج الأعراض لا المرض .
والمفارقة المرّة أن أمريكا تخوض هذه المواجهة وهي تُغفل أنها هي ذاتها من بنى البنية التحتية التي تستثمرها إيران ضدها .
حين تضرب أمريكا إيران اليوم فإنها تضرب رأس جبل الجليد . وحين تتفاوض معها تتفاوض على رأس جبل الجليد . وحين تحاصرها تحاصر رأس جبل الجليد . أما جبل الجليد الحقيقي_ تسعون بالمئة منه المغمور تحت الماء_ فهو خلل العولمة البنيوي الذي أنتج إيران بشكلها الحالي وسيُنتج غيرها ما دام موجوداً . والمعالجة الحقيقية لا تكون بضرب الرأس فقط بل بكشف الجبل كله وإعادة هندسته من قاعدته . هذه ليست دعوة للانعزال ولا للتخلي عن العولمة ، بل دعوة لـ “عولمة راشدة” ، عولمة تحتفظ بمكاسبها وتُحصّن نفسها من ارتداداتها . عولمة تخدم الدول التي صنعتها والشركاء العقلاء لا الفاعلين الذين يستثمرون فجواتها .

